بل نحن المسجونون ياحازم


·

كنت أخشى لعنة المقال رقم عشرة منذ بدأت الكتابة
شئ ما كان يخبرني بأنه سيكون الأخير اليوم أنا قريب جدا من شئ مماثل .
بدون مقدمات لالزوم لها وحوارات سخيفة مع النفس وإستطرادات غير مجدية أعتقد أنني أمر بأطول أسبوع في التاريخ فأنا أكتب يوم الأربعاء على غير العادة ربما هي رغبة في الكتابة إجتاحتني كسيل عارم بعد نشر المقال السابق على خلفية حادث مؤسف ، فانتظرت حتى أهدأ فأنا أعرف -أكثر من غيري- تأثير الكتابة الإنفعالية تحت ضغط .
لكنني وللأسف لم أهدأ بعد
إذا سأكتب على بركة الله
تنويه صغير
هذه ليست صفحة بريد القراء
هذا مقالي وسأحكي عما آلمني
فلا تلوموني إن لم يعجبكم كثيرا ماسيأتي به
* * * * * *
مشهد من التاريخ
لافتة رخامية عتيقة جديرة بالمتاحف كتب عليها الآتي :
مجلس مديرية البحيرة
المجموعة الصحية القروية
في عهد صاحب الجلالة فاروق الأول ملك مصر حفظه الله قرر مجلس مديرية البحيرة بإجماع أعضائه في الجلسة المنعقدة في 23 ربيع أول 1362 هجرية الموافق 29 مارس 1943 ميلادية إنشاء هذه المجموعة لخدمة أهالي القرية ونواحيها وذلك خدمة لمواطنهم حضرة صاحب المعالي الدكتور "إبراهيم بك الوكيل " وزير الصحة العمومية وذلك تقديرا لمجهوداته في رفع المستوى الصحي بالمملكة المصرية وإصداره قانون تحسين الصحة القروية في 27 رجب 1361 هجرية الموافق 10 أغسطس 1942 ميلادية
والله ولي التوفيق
هذه قريتي بلا فخر
إستقراء أرسطو يقول أن لدينا الآن مستشفى تضاهي القصر العيني من حيث الإمكانات ومستوى الرعاية كونها أول مستشفى قروي تم إنشاءها في المملكة ووزير الصحة كان إبننا
من غير حسد الله يكرمكم
بتوفيق من الله أنا أعمل في صيدلية بجوار هذه المستشفى
جميع المستلزمات الطبية (شاش-قطن-خيط-أدوية-محاليل) غير متوفرة ويشتريها المرضى-المفترض أنهم جاءوا ليعالجوا بالمجان-مني وأعتدت أن أرى الصدمة في عين رجل بسيط أتى ليخيط جرحا نازفا فيجد نفسه يشتري أشياء المفترض أنها موجودة بالمستشفى وفي الأغلب يفاجأ بالمبلغ المطلوب منه
المستشفى بها طبيب باطني واحد يعمل كمدير ويستخدمها كمسكن له وإثنين من المسعفين وممرضة لا يملكون ترمومترا أو جهاز لقياس ضغط الدم
المستشفى تعمل نهارا كمركز طب أسرة (تطعيم حوامل وأطفال)
في الأغلب التطعيمات فاسدة
على حد علمي أنه تم تطعيمي ضد كل الأمراض الوبائية
وأذكر أنها أصابتني جميعا والحمد لله

وستندهش من كم الموظفين الذين يعملون بها نهارا مما يدل على مبالغ طائلة تنفق على هذه الخرابة
أعتقد أننا نملك لافتة رخامية من التاريخ فحسب
* * * * * *
مشهد متكرر
خبر منشور في أحد المواقع يقول
أهالي مصاب بطلق ناري يحطمون إستقبال وغرفتي الطوارئ والأدوية بمستشفى سوهاج العام إعتراضا منهم على تأخر الأطباء في إسعاف المصاب ثم لاذوا بالفرار فور علمهم بقدوم الشرطة
تم تحرير محضر بالواقعة وأمرت النيابة بضبط المتهمين
ولا حرف واحد عن المصاب أو عن وجود إهمال طبي بالمستشفى
* * * * * *
مشهد مؤلم
حازم -إبن صديق لي- طفل لم يبلغ السادسة من عمره بعد ، أجرى عملية إستئصال اللوزتين يوم الجمعة 10 أغسطس
أصيب بنزيف حاد مساء يوم الخميس 16 أغسطس
طبعا إتفقنا ان لدينا لافتة رخامية وفقط فإحتمال الذهاب لأقرب مستشفى غير وارد لأنه سيكون مضيعة للوقت
مستشفى المركز والتي تبعد ستة كيلو مترات
لا يوجد بها ليلا سوى عامل البوابة
مستشفى مركز مجاور تابع لمحافظة مجاورة تبعد أربعة كيلو مترات رفضت إستقابله بلا سبب واضح وتم تحويله على المستشفى العام بالمحافظة والتي تبعد حوالي عشرين كيلو متر .
(كل ده الولد بينزف) لحسن الحظ وجدوا هنالك أطباء وبدا أنهم قاموا بما يلزم وبذلوا مجهود خرافي في تعليق محاليل للطفل وذهبوا للنوم وتركوا الطفل ينزف حتى الصباح

ثم
" هبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة حدوث نزيف في تجويف الفم "
هذا ما كتب في خانة سبب الوفاة
لسبب ما نحن بارعون في ممارسة الحكمة بأثر رجعي فقط .
ادعوا لوالديه بالصبر
* * * * * *
مشهد مستفز
وفد من حقوق الإنسان يتفقد مستشفى سجن طرة التي يرقد فيها السجين محمد حسني مبارك
يا سلام
نفس هذه المستشفى كانت منذ سنة واحدة لا تصلح للإستخدام الآدمي ولم نسمع حرفا واحدا عن حقوق الإنسان أو حاجة المساجين لتلقي رعاية صحية وفجأة تكبدت خزينة الدولة ملايين الجنيهات لتصبح هذه المستشفى جاهزة لإستقبال سيادته بعد الحكم بسجنه
دعوني أولا أوضح أنني لست ضد معاملته معاملة آدمية وتقديم أفضل سبل الرعاية الصحية رغم أنه مسؤل عن تحويل أول مستشفى قروي تخدم مائة ألف مواطن إلى لافتة رخامية
لكن السؤال هنا
من المسجون إذا
الإجابة هي
نحن مسجونون بالخارج للأسف ومازلنا نؤدي عقوبة أبدية بدليل طفل انتهى في ساعات أمام أعين أهله وهم لا يدرون أأحضروه لمستشفى أم لورشة كهربائي سيارات
لم أذكر لك مشهد الأب وهو يجري على السلالام ستة أدوار صعودا ونزولا حاملا إبنه لأن عامل المصعد أغلقه وتناول طعام السحور ونام قرير العين شاعرا بأنه أدى ماعليه تجاه البشرية
للأسف ياحازم نحن مسجونون بالخارج
ووالدك لم يستطع إسعافك في منتصف الليل لأنه مواطن بسيط يعيش في قرية بسيطة ولايملك طائرة تنقلك لمستشفى المعادي العسكري.
كقاعدة
في مصر كل مصيبة يتم التحرك لمعالجتها بعد أن يقع ضحايا
إلا هذه
هذه ليست أول حادثة ولن تكون الأخيرة ولا أظن أن هناك تحرك قريب
عندما قالت لي إحدى الزميلات أن قطاع الصحة كالتعليم تماما يحتاج إلى نسفه وإعادة بنائه من جديد ظننت أنها تبالغ وأن الأمر ليس بهذا السوء
لكن بعد ما رأيت بعيني
فحتى النسف لن يجدي لأننا سنبني غالبا بنفس العقول ونفس الأيدي ونفس العمال ونفس الأطباء
أعتقد أننا بحاجة لوزير صحة صيني يأتي بوزارة من الصينيين وأطباء وممرضات وعمال صينيين ليعيدوا هيكلة وزارة خدمية تتعامل مع أرواح الناس وليس مع سياراتهم
أعذروا إنفعالي
دمتم في حفظ الله
.
.
.
أحمد حلمي
البحيرة
24/8/2012

0 التعليقات:

إرسال تعليق