معجزة الحب


كنت أحسب ان سبب عشقي لعالم القصص القصيرة هو عنصر التكثيف
وأن كلمات قليلة تصف وتعبر عن معان كبيرة
كنت أحسب انني أحب الإيجاز
هناك أشياء كثيرة لا يعلمها المرء عن نفسه  لم أكن أعلم مثلا أني رغايا لهذه الدرجة حتى قرأت مقالا كنت أنوي أن أعرض فكرته في عشر سطور فوجدتني كتبته في أربع صفحات
لا أعرف ما الذي يحدث كل ماهنالك اني أنتقي بصعوبة مدخل مناسب وأشعر بإكتمال الفكرة بداخلي ثم لا أدري ما الذي يحدث بعدها
تنساب الكلمات دون وعي مني حتى أنني أشعر أنني مجرد قلم في يد عملاقة تكتب
كنت سأحدثكم اليوم عن  . . .
عن
عن
يا إلهي
نسيت
كان موضوعا مهما للغاية لكنني بكل أسف نسيته
أعذروني السن له أحكامه

فلنتظاهر إذا انني تذكرت وأحكي لكم أي شئ آخر وأزعم أنه ذات الموضوع المهم
بما أننا في سيرة القصص القصيرة
فأنا سأتحدث اليوم عن شئ يتعلق بها
في فترة ما كنت مشغولا بموضوع إلتقاط مشاهد من حياتنا اليومية وتحويلها إلى عمل أدبي
وبدا لي الأمر في البداية سخيفا ومفتعلا أن تنقل تصرفات الناس الى الورق وتزعم انها قصص كتبتها

قرأت ذات مرة أن سائق سيارة أجرة رأى الأديب عزيز نيسن - وهو بالمناسبة أديب تركي شهير جدا ومجهول تماما بالنسبة لنا -
يتجول بين الناس فحسب انه يبحث عن مادة أولية لكتاباته
فكان رده أنه من إنحطاط الأخلاق أن تعتبر معاناة الناس مادة أولية للكتابة
بصراحة وجدت كلامه يحمل منطق لا بأس به
حتى وجدت عمالقة كبار استلهموا أعمالا كبيرة من شخصيات ومواقف حقيقية
لك أن تتخيل مثلا ان معظم أبطال نجيب محفوظ هم ظلال ألقاها أشخاص حقيقيون في مخيلته فأفضاها لنا على الورق وهذا يبرر إنحصار معظم أعماله في بيئة واحدة وهي الحارة لأنه ببساطة لم ير سواها
بعد تأمل عميق في ماهية الفكرة وجدت أن الأمر لا يقل عن الإبداع في شئ انه فن في حد ذاته
أن تلتقط مشهدا من الحياة وتعيد صياغته فيخرج عملا في منتهى الصدق
كنت أفكر في هذا كله
أفكر في مقولة د . أحمد خالد توفيق أن الحياة في مصر حبلى بالإلهام والنماذج الغريبة تطفو على السطح وتقفز في وجهك وتتباين حساسية الأديب في درجة إستخراجه للمعنى والمغزى خلف مشهد يمر به الكثيرون فلا يستوقفهم
كنت أفكر في هذا كله
حتى أنني قررت أن أدون أي شئ وأعيد تأمله ربما كان يحمل أي شئ لا يراه سواي
حتى تحول الأمر لمهزلة حقيقية
هذا أتوبيس نقل عام
أتفحص وجوه الناس على إستحياء
هذه سيدة مسنة متجهمة يبدو عليها الإنهاك
سيدة في منتصف العمر تحمل طفلا يبكي
رجل يقف أمامي ويحك أنفه بين الحين والآخر
هل لهذا مغزى
يا إلهي
سأجن قريبا
حسبت الأمر سهلا
كنت أفكر في هذا كله عندما رأيتهما
بمجرد أن وقعت عيني عليهما من بعيد قبل حتى أن يركبا معنا
رأيت مدخل القصة كالآتي
" كانا ينتظران الحافلة يرى في وجهيهما كثير من إنهاك يوم خانق وقليل من تشابه في الملامح
حتى ذهب الظن بي أنهما إخوة
لكن بعد نظرة مدققة ظهر جليا انها زوجته ربما هي قريبته كذلك
"
هنا حدثت حركة في الأتوبيس فغابا عن نظري لحظة الصعود
ثم رأيته قادما نحوي حتى تخطاني وجلس خلفي بعد أن وجد لها مقعا في المقدمة بحيث ستجلس في مواجهة كل ركاب الأتوبيس
هنا حدث ما يستحق أن تكتب عنه روايات
لقد بدأت تحادثه
لم تصرخ بأعلى صوتها لتسمعه لو كانت فكرت في ذلك لم يكن لها صوت على الإطلاق
دعني أصف المشهد
هي جالسة في منتصف المقدمة وجهها لنا وهو يجلس في آخر الأوتوبيس وبالطبع يراها
ماحدث جعلني أتخيل كيف ستسير قصتي بعد ذلك
" جلست ورمقته بنظرة ذات معنى
ثم أتت على حركات غريبة بيدها
نظرت خلفي فوجدته يرد بحركات مشابهة "
يا إلهي انهما يتحدثان بلغة الإشارة بدا لي الأمر مجردا كأنهما إنفصلا بنفسيهما عن العالم وتجاهلا الأوتوبيس والناس وبدءا في التخاطب بلغتهما الخاصة
عادت قصتي تتردد في ذهني سطورها قائلة
" كانت بارعة الحسن وكل نظرة ، حركة ، لفتة ، إيماءة ، إبتسامة ، تقطيبة كانت تخلب الألباب لابد أن كل من رآهما حسده عليها
لكن من يعرف الحقيقة سيفكر مرتين
بل سيفكر كثيرا "
بالفعل بدأت أفكر في بيت الصمت هذا
أتخيل حياتهما
ردود أفعالهما في مواقف عدة
إنها لا تناديه
لا يناديها
لا تسمع منه أي كلمة طيبة ولا يسمع منها
الشئ الإيجابي في الموضوع انه لن يصحو ليجد ثيابه لم تغسل كما أمر فيصيح بأعلى صوته " انتي يابهيمة "
لن يعود من عمله فيسمع عبارة " انت جيت يامنيل "
لكن هذا من وجهة نظر من أنعم الله عليهم بنعمة النطق
انا فقط أراها كذلك
هو يرى أنه فاز بملكة عالمه
إنها عالمه
كنت أرتب الجمل في ذهني

" بينهما حالة من التناغم يحسدان عليها نظرة تكفي إشارة تكفي وتفيض إنهما كيان واحد "
كنت أنوي أن أبني قصتي على هذا النحو وأمهد لنهاية هادئة قد تنتهي بعبارة على غرار
" توقفت الحافلة في محطة ما ، تأبطت ذراعه ونزلا
شيعتهما بعيني حتى غابا وسط الزحام . تمت  "
لكن ماحدث بعدها هدم قصتي وأحالها أنقاضا
إقتلعها من جذورها
قلبها رأسا على عقب
كنت أرتب أفكاري وأنتظر خاتمة واقعية فجاءت أقرب للخيال
تأمل معي
" توقفت الحافلة فاهتزت في اللحظة التي كان يمر فيها بجواري فاصطدم بي
نظرت في عينيه وانتظرت نظرة تحمل إعتذارا وجهزت إيماءة تحمل قبولا
لكن الإعتذار جاء من بين شفتيه
'آسف'
أخرستني المفاجآة فلم أرد
تركني ونزل . تمت "
يا نهار مش فايت
دا بيتكلم
انه لا تنتمي لعالمه
انه لا يمت لعالمها بصلة
لقد نسف كل قواعد المنطق لم تعد القصة قادرة على التعبير
لم نعد نتحدث عن بيت الصمت
الآن نحن نناقش فكرة الحياة مع تمثال جميل يتحرك
من الممكن أن يكون قد خانني التعبير أو انه غير دقيق
لكن من يتحمل ذلك بالفعل هو جدير بالروايات
لا تفكروا كثيرا
إنها معجزة الحب
للحديث بقية . . .

0 التعليقات:

إرسال تعليق