مصباح وأريكة وبلد لا يدفن رأسه في الرمال



لا أعرف لماذا كنت أتمنى - في مرحلة ما - أن أصبح طبيبا نفسيا ربما استهواني علم النفس بشكل ما لكنني أعرف جيدا لماذا كنت أتمنى - في مرحلة أخرى - أن أصبح عازفا أو موزعا موسيقيا , رائعة عبد الوهاب " انت عمري " وفيلم " august rush " يجيبان جيدا عن التساؤل ,

حاول يحيى الفخراني مرارا ان يقنعني بمهنة المحاماة لكنه فشل - في اقناعي طبعا وليس في أدواره - رغم إجادته التامة لها , المهم أن هذه المساحة التي أقابلكم فيها اسبوعيا منذ ما يقرب من ثمانية شهور والتي تخليت عنها طواعية لمدة واحد وعشرون يوما تحقق لي بشكل ما توازنا بين الأمنيتين , طالما رأيت الطب النفسي نوعا آخر من الأدب ,فيما يخص الموسيقى فالأمر لايحتاج شرحا بقدر ما يحتاج لأمثلة توضيحية , لذا إليكم فقرة من العزف المنفرد ,

أتمنى أن تروق لكم .

هناك حقيقة كونية تقول أن للقراءة متعة لاتضاهيها متعة .

انا اضيف

سوى متعة الكتابة .



*******************************

الحرية الشعرية



حكى الشاعر عبد الرحمن الابنودي ذات مرة عندما سُئِلَ عن المعنى المستتر وراء احدى قصائده ,

فقال انه كتبها خلف القضبان , عندما كان يشاهد الغبار المتناثر على طول شعاع الشمس المتسلل من النافذة العالية في زنزانته الضيقة فتخيل انه ربما يتسلق يوما ما على هذا الغبار متسللا للخارج حيث الحرية ,

يا سلام

الحرية الشعرية

ربما لو كنا نعيش داخل قصيدة كهذه لكانت الحياة اجمل .

أو ربما نحن بحاجة لشعراء يتولوا مقاليد الأمور في الوقت الحالي .



***********************

طلبنا مصباحا فأحضروا أريكة



هذا كان رد الأسباني رفائيل بنيتز على فشله في تدريب أحد الفرق الاوربية يقصد طبعا انهم لم يلبوا له مطالبه في حين أنهم يظنوا انهم فعلوا ,
بعدها بسنوات استعان ديل بوسكي بنفس المقولة بعد فشله مع ريال مدريد : " طلبت مصباحا فأحضروا خمسة عشر أريكة ولم يحضروا مصباحا واحدا ولا حتى بيتا لوضع كل تلك الأرائك " , متابعي الفريق الملكي يفهمونني جيدا ,

وقبل أن تتسع العيون دهشة دعوني أوضح أن هذا هو ما حدث لنا تقريبا وهو ما يبرر حالة الإحتقان الموجودة حاليا مما انتهى بنا إلى محاولة شاب حرق نفسه أمام أحد شركات الكهرباء لفشله في الحصول على وظيفة ومحاولة شاب شنق نفسه أمام مبنى محافظة أسيوط لنفس السبب تقريبا , طلبنا مصباحا فأتوا لنا بالكثير من الأرائك , فعاودنا طلب المصباح فأتوا لنا بالمزيد من الأرائك ,

( يانظام غبي

افهم بقى مطلبي )

خبر حرق شاب لنفسه يعيد للأذهان الشرارة الأولى للثورات العربية ويخبرنا بأننا بحاجة للبدء من جديد أو ربما يستجلب الضحك لأن فكرة البدء من جديد أصبحت كوميدية للغاية , نعم كوميدية , التاريخ عندما يعيد نفسه يصبح في المرة الثانية كوميديا مثيرا للضحك المؤلم , هذا بالإضافة لأن هناك تفاصيل سترفض أن تعيد نفسها مما سيخل بالسيناريو .

فضلا عن حقيقة أنه ( نفسنا اتقطع ) ولم نعد قادرين على تطبيق نظرية ( هد بلا نيلة ) .

التصريح الصادر عن د . أحمد عكاشة عن تضاعف حالات الإكتئاب بين الصريين يعزى أيضا للجملة الآتية :

طلبنا مصباحا فأحضروا اريكة وطاولة ومزهرية وعريانا وعياطا وبديعا ,

( نقوم نولع في نفسنا ...

لا ياجماعة مش كده اكيد فيه حل )

******************************


متابعة مقالات الاستاذ حسن المستكاوي لفتت إنتباهي نحو إحتواء كرة القدم على عمق فلسفي لم يلحظه الكثيرون بالرغم من أن الرجل يكتب في صفحة الرياضة إلا أنك ستفهم مقصدي إذا علمت أن أحد مقالاته كان يحمل عنوان " النعامة لاتدفن رأسها في الرمال "

عنوان رياضي جدا كما ترى يشبه مقالي هذا الى حد كبير ,

ربما نحن نفعل ذلك لكن النعامة لاتفعل كما كنا نظن هناك نظرية تفسيرية تقول أن النعامة تخفي بيضها في الرمال عند الخطر فيظهر انها تخفي وجهها وهناك نظرية أخرى تقول أن النعامة تعاني من قصر النظر فتقترب بوجهها جدا من الأرض فيبدو لنا بالخطأ أيضا هذا المعتقد .



ربما أنا أيضا فعلت كذلك ولمدة كبيرة ,



ربما - أقول ربما - أيضا تبادلنا مواقعنا مرارا لكننا مازلنا نتبادل عملية دفن وجوهنا في الرمال وإن تباينت الدوافع ,

كنا ندفن وجوهنا في الرمال حتى مايقرب من عامين بدافع الخوف أو ربما تحت غطاء ( أنا مالي ) الشهير أو عملا بنظرية " مازلت قادرا على الظفر بقوت يومي ومأواه , إذا فليكن الغد " الأشهر , وبرغم من أننا كنا نسير بسرعة كبيرة على أرض شديدة الانحدار بقوة القصور الذاتي نحو الأسفل ودون مكابح إلا إننا كنا ندفن رؤوسنا في الرمال دون أدنى مواربة ,

وقتها كان النظام الحاكم يتظاهر بضعف النظر ويدفن وجهه في الرمال أيضا ولا يعبأ بالنهاية .

بينما كان هناك من يرى المشهد مجردا ويصيح بأعلى صوته على الجانبين : لا تدفنوا رؤوسكم في الرمال , لا تبيعوا الغاز لإسرائيل , لاتتركوا غزة تضيع , لاتحنوا رؤوسكم فيطأها الغاشمون , هؤلاء تم دفن رؤوسهم في الرمال بالقوة وتعذيبهم حتى الموت وحشر لفافات بانجو في حلوقهم إن لزم الامر .



*****************************

في العام ١٩٧٨ فاجأ فريق إيه سي ميلان الايطالي العالم بخطة لعب جديدة ظن المتابعين وقتها أنها إعلانا لوفاة الكرة الهجومية ويعتبرها آخرون بداية لتأريخ عصر الدفاع الايطالي الحقيقي , ببساطة الخطة كانت تتجاهل وجود صانع الالعاب القادر على تحويل مسار اللعب في اي لحظة وتعتمد على تحرك الفريق كوحدة واحدة , وكان على اللاعبين الذين يجيدون صناعة اللعب أن يبحثوا عن أدوارا أخرى لهم بالملعب , وصرح المدرب وقتها أنه لا يمكنك أن تثق بلاعب متردد قد يحرز هدفا أو لا وأعتبر أن وجوده في الملعب نوعا من الرفاهية , المفاجأة اكتملت عندما فاز الميلان بدوري الابطال لهذا العام بهذه الخطة التي قيل أنها دفاعية .

*******************-*---*******
في روايته التي أختلف معها كثيرا وفي موضع لا أحب ذكره هنا قال سلمان رشدي
" منذ القدم والرجال يستخدمون الله لتبرير ما لا يمكن تبريره "

اظنها تلخص المعضلة وتهدم الجدار الذي نحاول دفعه منذ عامين بلا جدوى
المهم

منذ عامين بدا وكأنه قامت عندنا ثورة وبدا أيضا أنها قد تنجح وبدأ كل من كانت رأسه تحت الرمال بإخراجها وعلا صراخ الجميع وكأنهم اكتشفوا فجأة حقيقة أن لديهم حقوقا مهدرة .
وكل الأشياء التي كنا نراها مستحيلة الحدوث بدت أقرب مايكون للتحقق وارتفع سقف المطالب يوما بعد الآخر حتى وجدنا أنفسنا نتحرك كيد واحدة ودانت بعد أن كانت قاصية ,
وأغلب الظن أننا كنا بلا صانع ألعاب أيضا

عندها بدأ تبادل المواقع بشكل فج

وبدا ما كنا فيه تزيدا في استعمال نبرة التفاؤل التي آتت اكلها فيما بعد مضاعفا

هناك من دفن رأسه متظاهرا بأنه يخفي شيئا ما

هناك من دفن رأسه بعد أن أخفى شيئا ما

هناك من ظل يصرخ حتى بح صوته ثم أخفى رأسه حتى لا يرى ما يحدث ولم يحصل على شئ ما كان يظنه - بحسن نواياه - في المتناول

و هناك من لا زال يصرخ ولم يعبأ بكل الدافنين رؤوسهم من حوله وأقسم أن يسمع الموتى حتى يحصل على شئ ما .


مايحدث من حزب النور حاليا هي أعراض إخراج الرؤوس من تحت الرمال , بعد التظاهر بفعل شئ ما ذا أهمية وهي أعراض لا تقل عن أعراض الانسحاب .

هذا شئ يدعو الى التفاؤل ويشير إلى الحل بطرف خفي
ببساطة أخرجوا رؤوسكم ثانية من الرمال ,

احاديث تطبيق الشريعة وحلم الخلافة لم تعد تقنع طفلا صغيرا ,
وبدا واضحا بصورة لا تقبل الجدل أن إدارة الدول تختلف عن إدارة التوحيد والنور أو مجموعة الريان ولا يمكن التعامل معنا بإسلوب سيب فلوسك مع الحاج .
من خرجوا منذ عامين لم يكن غرضهم تطبيق اي شريعة , الشريعة لاتطبق بمواد دستورية على حد علمي , الهتاف المتفق عليه وقتها أظنه كان ) عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية (
أظنها مطالب تسبق كل الشرائع , واظن أن هذا الهتاف بدأت تسوء سمعته حتى قارب من هتاف ) بالروح بالدم نفديك يا مش عرف ايه (

لن تقوم لنا قائمة حتى تصيح كل حبيبات الرمال في وجوهنا المدفونة أن أفيقوا يرحمكم الله .

*****************************************

الاربعاء الماضي صرح المدير الفني لفريق ميلان الايطالي قبل مواجهة برشلونة أنه مدرك لحقيقة إفتقار فريقه للأسلحة لكنه وفي الوقت ذاته لن يكون ضحية سهلة وأضاف منهيا الحوار
" نحن الميلان "

الحقيقة أن تصريحاته لم تثر إلا ابتسامات السخرية بين الصحفيين فالكل يعلم حجم المواجهة , لكن المفارقة أن الميلان لعب بدون صانع ألعاب واعتمد على تحرك الفريق كوحدة واحدة وقدم مباراة دفاعية رائعة وجعل استحواذ أحسن فرق العالم بلا فائدة وجعل هجومهم بلا أنياب وفاز بهدفين لا أعرف كيف ,
و بغض النظر أنه قد يعيد شيئا ما للأذهان إلا أنه كشف لي عن فلسفة كرة القدم وقال لي بوضوح أنه لا مستحيل الا في عقولنا .

نحن من بنينا الهرم وقادرين على هدم المقطم ذاته إن لزم الامر وإن كنت لا أفضل ذلك .

هل كشف المقال عن أمنية ثالثة لم تتحقق

لا اعرف
لكني أذكركم ونفسي بحديث رسولنا الكريم
" تفاءلوا بالخير تجدوه "

ولكن أرفعوا رؤوسكم أولا

دمتم في حفظ الله

.

.

.


أحمد حلمي

البحيرة

22/2/2013 

0 التعليقات:

إرسال تعليق