حلوة بلاد الثورة



كانت ملاذه الآمن ..

يراها تصلح لكل شئ ..

يجلس ليتابع التلفاز بينما أريكته الحبيبة تتغير وظيفتها بين غرفة طعام وغرفة معيشة ومقعد و

سرير

أخذته غفوة ذات يوم وهو جالس جلسته المعتادة فصحا من نومه ليجد الصالون وقد امتلأ بغرباء ,

توقع ان يجد والده بينهم فيرسل له نظرة مستفهمة فيهتف بحماس أن الاستاذ محمد الششماوي قد اتى من السنبلاوين بعائلته ليرانا ويرحل ,
لكنه لم يكن موجودا بينهم ,
فاحتار حقا في ما يجب أن يفعله .

اكتشف من سير الحديث حوله انه للأسف نام لمدة سنتين وصحا ليجد والده قد باع الشقة بمحتوياتها بما فيها سيادته نائما على احدى الارائك .

وفيما هو متظاهرا بمواصلة النوم بدأ يفند الاحتمالات فقال محدثا نفسه

أمامك الآن خيرات محدودة

أولا :

( وده أسهل حل )

أن تقوم ململما شتات نفسك من فوق وتحت أريكتك وترحل فهذه لم تعد دارك بأي حال من الأحوال .

ثانيا :

( وده حل محتاج صبر وطولة بال شوية )

ان تذهب لمحامي محترم شريطة الا يكون قريبا للسكان الجدد وتدفع له دم قلبك وتأخذ حكم - أو ماتاخدش - بطردهم من شقتك , لكن وقتها لن تتمكن من النوم مرة اخرى لأن الشقة تحتاج للكثير من الترتيب .

الحل التالث :

( وده حل محتاج طول نفس شويتين بالاضافة لشوية حاجات تانية )

انك تقوم تضرب العشرين واحد اللي ساكنين دول علقة موت وتطردهم من بيتك - على اعتبار انك فان دام في فيلم هندي - وبعدها مش هاتنام لانك محتاج ترتيب البيت بعد الفوضى التي سببها هؤلاء الهمج وتحتاج أيضا لأن تأخذ حذرك من الهجمات المضادة وهاتفضل مهدد معظم الوقت .

الحل الرابع :

( وده محتاج شوية سلبية لا اظنهم ناقصين لاسمح الله من السوق )

انك تحاول تستحمل سخافة وغلاسة وطمع وجشع وقلة ذوق وقلة ادب وانعدام الكياسة لدى السكان الجدد وتتعايش معاهم , هذا لو تركوك في حالك ياعزيزي .



********************

سفه



الحقيقة أن قطاع عريض من الشباب قبل مايقرب من ثلاثة أعوام من الآن كانوا يعيشون حياة لا معنى لها , وكان مشهد معتاد أن ترى تجمع منهم على أحد المقاهي وقد علا صوتهم لدرجة ملفتة فتقترب لتتبين ماهية الامر لتجدهم يتناقشون حول مدى صحة هدف أبو تريكة في مباراة طلائع الجيش فتنصرف متنهدا - ربما ليس قبل ان تدلو بدلوك في الموضوع بالغ الاهمية و الخطورة - تاركا مناقشة قد تطول لعدة ساعت وتتشعب لتمتد الى مقارنة بين زوجة حازم امام وزوجة شادي محمد - نعم لقد فاتك هذا الجزء لماذا انصرفت - ربما يغير صاحب المقهى المحطة ليأتي لهم بذاك المذيع الزاعق اللاعن لكل شئ الكاره ( للهدوم اللي لابسها ) فكان يتحدث بالصدفة عن بيع الغاز المصري النادر لدولة اسرائيل بلا ثمن ,

يلفت علو صوت الرجل نظر احدهم , يدقق قليلا ليتبين الامر ,

بعد دقيقة من التركيز يخلص لحقيقة خطيرة لايعرفها احد من الجالسين سواه ,

حقيقة تتلخص في كلمتين ,

( البلد باظت )

يعود لأقرانه ,

ينسى كل شئ بعد ربع دقيقة ,

يرفع رأسه بعد وقت ليس بقصير إثر زعقة مدوية ,

يصيح بدوره مغطيا على صوت المذيع ,

( ماتقلب عالراجل ده يامعلم )

ويعود ليسمع باقي النكتة الخارجة التي كان يرويها أحدهم .



*******************



مقاومة





بعد استبعاد الإحتمال الأول لأنه ببساطة ليس لديه مكان ليرحل اليه , قرر إنسان الأريكة المبجل أن يجرب الإحتمال الثاني بالتزامن مع الاحتمال الثالث ,

وقدر أنه مقبل على أيام سوداء لن ينام فيها فنحى أريكته جانبا وقام ليواجه قدره .



اخذت القضية مناحي عدة كان هو استهلك خلالها تماما وادرك انه ليس وحده من أُخذ بيته وتم بيعه مع العفش بلا ثمن ,

قضت المحكمة ببقاء الحال على ماهو عليه مما حدا به وبأمثاله بتصعيد طريقة المقاومة



**********************

ناشطين ونص



الثورات أحداث استثنائية تغير وجه الاوطان للأبد , وتغير الاشخاص كذلك , من كان يهتف ( عمري ماحب غير الاهلي

ولافيه غيره يفرحني ) منذ عامين

اصبح الان يهتف

( م الموت خلاص مابقيتش اخاف )

طمست الثورة على كل ما سخف من القول او الفعل قبلها وادارت العيون والقلوب والعقول نحو ما عظم شأنه وغلى ثمنه واضافت اعمارا لأعمار معاصريها فأصبحوا بين عشية وضحاها بين قوسين

( ناس مهمة )

ومحط انظار العالم ,
من مات منهم صار ايقونة ,

- من ينسى صورة ذاك الرجل الباسم ذو العوينات والشعر الهائج التي تصدرت المشهد وكأنه قام وحده بالثورة -

ومن عاش منهم صار متحدثا رسميا او عضوا في تيار او جماعة او حزب او جبهة ويظهر في اربع قنوات وخمسة صحف كل يومين ليحكي انه رأى الموت ونام على الرصيف في عز البرد بينما انتم جلستم في بيوتكم يا اوغاد تحتسون الدفء والامان ,

لقد صاروا نجوم مجتمع , وكل كلامهم موزون مقفى .

من كان يحلم بهذا .

ومن يريد العودة للفراغ , بعدما ذاق طعم الشهرة والاحساس بالاضواء .

******************



اشتري دماغك ياعم



بعد سنة تقريبا كان كائن الاريكة قد انهك تماما من كثرة الصراخ والسباب والجدال

واكتشف انه ان ظل على وضعه هذا عشر سنوات فلن يأت بجديد ,

فعاد لأريكته , وقرر اللجوء للحل الرابع , التعايش , السلبية , وتفادي الصدام , لقد اسعد شركاؤه الجدد قراره هذا كثيرا وقدروا انهم ( ارتاحوا من زنه ) وبهذا فقد سمحوا له باستعادة اريكته مشكورين شريطة ان يشاهد ما حددوه هم له ويمكنه استخدام دورة المياه في الاوقات التي يحددوها ايضا .

وبهذا انسدل الستار على احدهم وصمت للأبد .



*****************



من صدق النهاية السابقة فهو يشاهد الكثير من الافلام الهندية التي تنتهي نهاية سعيدة دوما بأن يتزوج البطل الفقير من البطلة بنت تاجر الأحجار الكريمة وينتقل ليعيش معها في قصرها المنيف , ماحدث ياسادة مغاير لذلك تماما , لقد وجد اخينا هذا امثاله واخذ في الصراخ الجماعي وعلا صوتهم وسمعهم الناس وظهر في التلفاز كثيرا يحكي روايته الخاصه وكفاحه وكيف انه ( مش واخد راحته في بيته ) بل انه لم يعد بيته من الاساس كان يعود منهكا ليشاهد نفسه في التلفاز فيقدر انه ابلى بلاءا حسنا وسيضيف غدا فصلا جديدا في روايته ,

لاحت في الافق بوادر كثيرة للوفاق , لكنه تجاهلها , لقد احب ذاته الجديدة وكره العودة لأريكته وماعاد يطيق الفراغ .

ربما شجعه اكتشافه أن تجربته اورثته الحكمة بل ايقظت الاديب بداخله وصار يقرض الشعر ,

الحماسي منه على وجه الخصوص .

لا ,

لم يشأ أن يتخل عن كل هذه الرفاهية ,

رفاهية الإحساس بالأهمية .

للحديث بقية ان كان في العمر بقية .....



دمتم في حفظ الله



أحمد حلمي



أسيوط



22/3/2013

0 التعليقات:

إرسال تعليق