الكتلة الحرجة للانفجار

.
.
.
.

To go postal

هذا - بالصلا عالنبي - فعل جديد تم اضافته للإنجليزية الامريكية منذ سنوات قليلة - هذا يحدث طوال الوقت بالمناسبة - لكن الحدث هنا يدعو للتأمل ,
ليست هناك ترجمة حرفية للأمر , لكن شرح ملابساته قد يفضي للفهم .
الحكاية بدأت بانتشار نمط موظف البريد الذي يدخل ذات صباح حاملا سلاحا ناريا ليقتل زملاءه مع رواد المكان ويجلس في انتشاء منتظرا حضور الشرطة ثم يثبت محاميه بسهولة انه كان خارج الوعي ,
الفعل الجديد معناه حرفيا " ان تجن كموظفي البريد " هذا ما يحدث حرفيا لكنك لست مطالبا بتفسيره او منطقته , فللواقع سطوة فرض تفاصيله الخاصة , ان كنت غير قادر على استيعاب الامر فتلك مشكلتك لكنه في النهاية واقع .

لكن ماذا عن الاعمال الادبية , هنا على القلم ان يتمهل قليلا او يتنحى جانبا لنتفق على بعض التفاصيل المهمة .

التفصيلة الأكبر والاهم التي لابد وأن نتفق عليها فيما يخص الادب وهو ما سوف اضعه بين قوسين ليبقى واضحا من البداية ,



" ليس للأدب - للفنون عموما - كهنة أو كتب مقدسة نستقي منها , الأمر كله خاضع للإستحسان والتذوق والوعي المُخَاطَب وهي الميزة الأكبر - في الأدب على وجه التخصيص - وهو مايجعله في ذات الوقت فضفاضا محيرا في تعريفه "



لذا فكل ما سيرد هنا هو محض تذوق شخصي قابل للنقاش وللرفض كذلك .



هل الامر واضح الآن ؟

اعني , هل الأمر واضح انكم بصدد مقال أدبي ؟

***

كان كسارق النار من معابد آلهة الأوليمب , يقضي عقوبته السرمدية مكفرا عن ذنب لم يهتم كثيرا بمعرفته , يتنقل بين صفائح معدنية تكتظ بالبشر النصف نائمين النصف مستيقظين قاطعا عشرات الكيلومترات كل صباح ,

الا ان هذا كله تحول الى روتين ممل لم يعد يلقي له بالا فلا يستيقظ من همومه الا على كلمات تأنيب مديره المعتادة , هنا تبدأ المعاناة .


***
" معضلة التحولات الكبرى بين الواقع والادب "


السطر السابق يشبه عناوين الندوات التي تنظمها المؤسسات الثقافية الحكومية حيث يصرفون للناقد الضيف سبعة وعشرين جنيه ونصف مع فنجان قهوة مظبوط من البوفيه ,

لكنهم في الحقيقة لا يتحدثون في امور كهذه ,

المهم ,

دخل مكسيم جوركي مع تشيكوف ذات يوم لمكتب بريد بجوار سكن الاخير فلاحظ جوركي تصرفات مدير المكتب فقال لصاحبه وهو يحاوره " أليس هذا فلان من قصة كذا "
هنا تغير وجه الرجل كمن ضبط في فعل فاضح .

من المتفق عليه ان الادب هو مرآة الواقع , وان الالوان الادبية المختلفة انما تعبر عن العصر الذي انبتته القرائح التي عهدته , وان الواقع هو النبع الذي نستقي منه ونهذبه وننقحه ونشذبه ونصبغه بصبغات الادب البراقة ليصبح أكثر تقبلا ,

أكثر تقبلا ؟!

نعم , أكثر تقبلا , من انت لتنكر ذلك .


قد تقبل الواقع رغما عنك فلماذا تفعل ذات الشيء على الورق .

مالم تكن هذه الورقة هي صفحة وفيات مثلا

***

أخبرهم من اليوم الأول للتعين أنه يسافر عشرات الكيلومترات كل صباح الا أن اصرارا غير مبرر كان وراء وضعه في الحصة الاولى كل يوم .

يأتي متأخرا مايقرب من نصف ساعة كعادته , يدخل ذات الفصل , تمطر السماء صمتا يمتزج بصوت ارتباكه اليومي , يجتذب نفسا عميقا ويعتدل في وقفته ناظرا للباب منتظرا آخر تفاصيل عقوبته الصباحية التي لاتتأخر كثيرا .

***

نهرب من الواقع للأدب قراءا وكتابا , الامر جلي جدا ,
لكن الملفت حقا ان الامر كله يتعلق بمبدأ
" دعني اخدعك ... دعني انخدع "
او افراط القارئ والكاتب على حد سواء في استخدام " التعطيل الارادي لعدم التصديق "
هنا تذوب الفوارق بين ما يمكن تصديقه وما لا يمكن استيعابه اصلا , ان اعتماد الكاتب على نقل تفاصيل واقعية للورق دون مراعاة منطقيتها او تقبل القارئ لها على الورق من شأنه ان يورث ازمة في الثقة بين طرفي الصفقة - تقبل الادب صفقة بالمناسبة تنبني في الاساس على الثقة -

القارئ لن يقبل لامنطقية حكايتك لمجرد انها مأخوذة من الواقع ,
او ان هناك اشباها لها من حولك ,
جرب شيئا آخر .

***

يدخل كبير الكهنة ليبعثر ماتبقى من ثبات صاحبنا بين المقاعد , يحاول هو ان يلملم بقايا كرامته المهدرة امام تلاميذه , يتمتم بكلمات غير مفهومة ويهم بإنقاذ ماتبقى من وقته وسط وصلة الاهانات التي وجدت لنفسها حيزا من روتينه مؤخرا ,

كان التفاته نحو السبورة في ذات الوقت يوميا تلميحا بقرب نفاذ ماحمله من كرامة ليومه وعلامة مؤكدة على قرب مغادرة كبير الكهنة ,

فقط دقيقة واحدة زادت عن المقدار المعتاد كانت كفيلة بإضافة تفاصيل جديدة للمشهد .

***

في رواية فيرتيجو لاحمد مراد يقرر البطل ان يغير مسار حياته - النمطية ذات اللاهدف - نهائيا ويتحول لشخص آخر تماما , ليس لان صاحبه قُتِل وليس لان الجريمة تم محو آثارها واغلاق القضية للأبد وليس لانه ترك بيته ويسكن في غرفة ملحقة بملهى ليلي ,
ولكن لأنه رأى رجلا كان يثق به في وضع مخل ,
يا سلام

الامر اشبه بأن تقرر ان تلحد لأنك رأيت امام المسجد الذي تصلي فيه لا يغض بصره مثلا ,

في الواقع انت غير مطالب بتقديم شروحات او منطقة اي شيء ,
لماذا يموت الشخص الوحيد الذي تنتظره عائلة كاملة يعولها بينما يعيش باقي ركاب السيارة ,
في الواقع يبحث العقل عن تفسير فلايجد فينصرف مستسلما - على أي حال -
لكن في الادب سيقف عقل القارئ كثيرا ليرفض تلك التفاصيل لأن العودة لأصل الاشياء ستنبئه من الخطوة الاولى للخلف انك وراء كل هذا وكان يمكنك تغيير كل ذلك ,
لماذا اخترت ابعد التفاصيل عن المنطق .

***
في صبيحة اليوم التالي حضر في الوقت المعادل للحصة الثالثة , بينما كانت حوائط المدرسة مازالت تنضح بمشهد عدو مدرس الرياضيات الوديع بفرجار خشبي كبير خلف المدير الغارق في دمائه .

***

في رواية السنجة يقول أحمد خالد توفيق بعد حوالي أربع أو خمس صفحات من شرح الدوافع النفسية لبطله المستكين الذي قرر فجأة ان يقتل أحد المسؤلين لانه شعر فجأة بالخداع :


" لقد كانت هذه هي القطرة رقم مائة , تلقى قبلها تسعة وتسعين قطرة حتى حدث الشرخ في الصخرة , النظرة السطحية تقول انه قرر ان يقتل مسؤل ما لان الدجاجة كانت محقونة بالماء , لكن الحياة اكثر تعقيدا من ذلك "

هذا يلخص كل شيء
موظف البريد الذي تم استهلاكه معنويا في روتين طاحن لمدة عشرة او عشرون عاما حتى اصبح يكره المكان كالجحيم قد افسح لنفسه مكانا في الواقع واستولد سلوكا اجتماعيا واختص نفسه بفعل في اللغة لكنه ببساطة لايصلح للأعمال الادبية - إلا تحت اشراف طبيب - , ومدرس الرياضيات المستكين الذي اخرج البلطجي من داخله في لحظة تراها النظرة السطحية روتينا لن تراه في اي رواية محكمة .

منحنيات الواقع الحادة لا تصلح ببساطة للأدب , القارئ لن يتحمل ان تفاجئه بشيء ضد منطقه بسهولة , ستضيع الصفحات هدرا في شروحات وتبريرات انت في غنى عنها .
التفاعل المتسلسل الذي يصل بالانسان للكتلة الحرجة التي لا يمكن احتواءها او التنبؤ بها شيء يخص الحياة الواقعية فقط ولايمكن نقله للورق بدون وجع دماغ ,
باختصار ,
لاتجربوا هذا في المنزل

دمتم في حفظ الله

أحمد حلمي

14 / 9 / 2014

0 التعليقات:

إرسال تعليق